الثعالبي
33
لباب الآداب
المُهل ، قد سار صباحُهم ، وقَرُبَ اجتياحُهم ، وتطايَرت فَرَقاً أرْواحُهُم ، أشعرت نفوسهم التلاقي فبلغت التراقي ، رأوا الأنوار ظُلَماً ، والأشخاصَ بهُماً ، والآكامَ رِجالاً ، والخيالَ خيلاً عجالاً ، أحسّ قربَ الموتِ ، وضيقَ العيشِ ، وضَعْف الجأشِ ، واضطراب الجيش ، لم يرعْه إلا نذيرُ الجيوشِ قد جاشت فطار جأشهُ ، وتخاذلت أوْباشُه ، تقدمهم الأدْبارُ وهم يتأخرون ، كأنما يُساقون إلى الموتِ وهم ينظرون . مسيرُ الملك في جنودِه والتفاؤل له سارَ مَوْلانا والسماءُ تحدُ الأَرضَ بسَيرهِ ، والنجوم تودُّ لو جَرت معِ سنابكِ خَيلهِ ، أقبل مسعودَ الكواكبِ ، منصورَ المواكبِ ، تُخرجُ معه الأرضُ أثقالها ، وتسيرُ جبالَها ، نهض مَوْلانا والسُعودُ تواكبه ، والمناجِحُ تصاحبهُ ، ومعونَةُ الله تقدمُه ، وصوائبُ العَزَماتِ تخدمهُ ، جَلل مَولانا هذا الخطب عظم حركته ، وعشاه كبر مسيره عن دار مَمْلَكَته ، قد كادَتِ السماءُ تَميدُ إعظاماً لنُهوضِهِ ، والأرضُ تسير مَعَ خُيولهِ ، سارَ مولانا بأسعَدِ الطوالعِ والفواتِح ، وأحمد الميامن والمناجِح ، سار مولانا فخِلتَ الأرض مائجة ، والبحارَ هائجة ، والنجوم مُنكدرة ، والسماء مُنفطرة ، أقبلَ والإقبالُ صاحبهُ ، والنصر مُصاحبُه ، والظفَرُ يقدُمُهُ أعلامهُ والسعْدُ يخدم أيامَهُ ، استقبل بمولانا مع المسير شايماً ببروق العز ، مقدماً كتائبَ الرُعب ، مُستصحِباً مفاتحَ النَّصر . وصفُ الجيش بالكثرة والشَّولَة خَيْلٌ كقِطع الليل ، ورجال خُلقوا لقَطْعِ الآَجال ، وجيوش تجيش لها الأرض ، ويشتجر منها الطُول والعَرْض ، جيش كالليل بكثرةِ الخَيل ، وكالنهار بوضوحِ الآثارِ ، عساكرٌ تتابع أفواجُها ، ويتدافع أمواجُها ، جيوشٌ تقوى اللهِ زادُها ، ونصرُ اللَهِ